عالمُ الصورةِ

  نحن نعيش الآن في عالم يُهيمن عليه خطاب الصورة، بحيث تملأُ الصورُ الصحفَ والمجلّاتِ والكتبَ والملابسَ ولوحاتِ الإعلان وشاشات التلفزيونِ والإنترنيت والهواتفَ المحمولةَ بشكلٍ لم يحدث من قبلُ في تاريخِ البشريةِ عامةً. وقد حدَّر بعض المفكرّين من طغيان الصورِ على ثقافةِ الإنسانِ، إلى درجةٍ قالوا إن التلفزيون سيحلُّ محلّ الكلمات فيكون هو العاملُ الأساسُ في […]

الإنسانُ والتقنيةُ

  حققت التقنية نتائجَ ذات أثر إيجابي على الإنسان، إلا أنها – في المقابل – أوصَلته إلى وضعٍ عجز فيه عن تحصين نفسه من آفاتها، والتحكُّم في سبُل تَصريفها. و لقد أفضى تعويلُ الإنسان على التّقنية كوسيلةٍ لإسعاده إلى وضعٍ انقلبت فيه عليه؛ فجعلته في موقع تصادُمي معها؛ خاصة بعد أن أفرز التَّقدم التقني قضايا جديدةً […]

أغراضُ الإعلانِ

  يُعدُّ الإعلانُ أخطَر ظاهرةٍ اجتماعيةٍ وإعلاميةٍ وثقافيةٍ واستهلاكيةٍ في عصرنا الحديث. فقد أصبح أحدَ معالمِ المجتمعِ التي لا يمكن الاستغناءُ عنها. فهو صناعةٌ يزدادُ ثقلاً يوما بعد يومٍ، ومؤسسةٌ قائمةٌ بذاتها وأحدَ أهمّ مؤشراتِ التقدّمِ الاقتصاديِّ لكلِّ دولةٍ.   إِنّ الإعلانَ مسارٌ تثقيفيٌّ استهلاكيٌّ يسيرُ بعقلياتِ الناس دون أن يُدروا، وغالبا ما يتمُّ هذا السَّير نحو […]

ليلةٌ صامتةٌ

… واستقرَّ رأسهُ أخيرا على حافّةِ وسادةٍ مُهترئةٍ، اختارَها مِن بين أربعةٍ، كان مُنْهَكا، فعملهُ طِوال يومٍ كاملٍ شاقٍّ جِدّا، طالما وأنَّ حمْلَ أوزانٍ ثقيلةٍ يحتاج إلى عضلات مفتولةٍ وجسمٍ مليءٍ، وذلك الجسمُ المليءُ قد سَئِمَ عظامَهُ الرثَّةَ. اضطجعَ الفتى على شيء ما، لا أدري إن كان فراشا أم شِبهَ ذلك، ارتأى من ذلك أن […]

المدينةُ الصاخبةُ

  المدينةُ تكبُرُ وتمتلئُ بالناس، وتمتلئُ بالمصانع وبالدخان والدروب، وهو في كل ذلك يقف مُتفرجا تسحقُهُ غُربةٌ مَريرةٌ، فلا يحسُّ أبدا أنه واحد من الناس الذين يملأون المدينةَ، أو يفعلون شيئا في الحياة، كانت كتِفاه ترتطِمان كل يومٍ بعشراتِ الأكتاف في الشارع، وكانت عيناه تقعان على كثير من الوجوهِ، ولكنّه لا يعرف أحدا في كل هذه […]

الإنسانُ المهاجرُ

  لا شكّ أن آرائي هي آراءُ مُهاجرٍ من الأَقليّاتِ(1)، ولكن يبدو لي أنّها تعكسُ حساسيّةً، يُشاطرني إيّاها مُعاصرونا. ألا يتَّسمُ عصرنا بأنّه قد جعلَ من الناس أجمعينَ مهاجرين من الأقليّاتِ؟ إنّنا جميعاً مُرغَمونَ على العيش في عالمٍ يختلف كليّا عن موطنِنا الأصليِّ، وعلى تعلُّمٍ لغاتٍ وأساليبَ تعبيريّةٍ ورموزٍ أخرى؛ فيتكوّن لدينا جميعا الانطباعُ بأنّ هُويَّتنا، […]

أيّها الإنسانُ

  أيُّها الإنسانُ، أنت الإنسانيّةُ بكاملِها، أنت ألِفُها وياؤُها، مِنك تتفجَّرُ ينابيعُها، وإليك تجري وفيك تصبُّ. أنت حاكمُها ومَحكومُها، وظالمُها ومَظلومُها، وهادمُها ومَهدومُها. وضعيفها وقويُّها، وظاهرُها وخفيُّها. أنت جلّادُها ومَجلودها، ورفيعُها وخَسيسها، وملاكُها وإبليسُها.  أنت ابن كلّ أب وأمٍّ، وأبو كلِّ أخ وأختٍ. وأنا ـ كائناً من كنتُ ـ لا مَهْرَبَ لي منك، ولا لك منّي، […]

الكومة

  كانت العَتَمَةُ تلفُّ أشجارَ الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيَّلُ إليه كأشباح سودٍ طويلةٍ وقصيرةٍ ذواتِ أذرُع متعددةٍ متحركة مثلَ أُخطبوط هائلٍ داكنٍ. وكانت أمطار الليلةِ الماضيةِ على الأرض قد تجمَّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسَّرُ تحت وقْع قدميه. وعصفت رياح ثلجيةٌ تخترق القُلُنْسوَّةَ التي يعتَمِرُها، وتلسعُ أذنيه وأنفَه وشفتيه فتُحيلها حمراءَ قانيةً كعُرْف الدّيك. وأخذت أنفاسُه اللاهثةُ […]

الشيخُ عليٌّ

  هو رجل تراه في ظاهرٍ من الدنيا، ينظر إليك كما تنظرُ إليه. فأنت تَتَبَيّنُ في سُحنتِه الواضحةِ أوصافَ الجنون الهادئ، وتعجَب من منظر تلك العاصفة النائمة في عينيه. ولكل امرئٍ سؤال يتردّدُ بين نفسه وبين السماءِ؛ فرجلٌ يقول: اللهمّ هذه القوةُ فأين الرزقُ؟ وآخر يقول: وهذا الرزقُ فأين القوةُ؟ وثالثٌ يصيحُ: هذه هي العافيةُ وهذا […]

error: Content is protected !!